مؤشر السوق السعودي يقفز بقوة بعد فتح السوق للأجانب: هل تبدأ مرحلة جديدة للبورصة؟
سجّل مؤشر السوق السعودي واحدة من أقوى جلساته منذ سبتمبر الماضي، بعدما قفز بنسبة 2.5% في مستهل التداولات، مدفوعاً بقرار تاريخي من هيئة السوق المالية بفتح السوق أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب. هذا التطور المفصلي أعاد الزخم إلى الأسهم السعودية، وطرح تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت السوق على أعتاب مرحلة جديدة من حيث السيولة، التقييمات، وتركيبة المستثمرين.
اختراق فني يعكس تحوّلاً نفسياً
مع افتتاح الجلسة، اخترق المؤشر العام مستوى 10500 نقطة، وهو حاجز نفسي وفني ظل يتداول دونه خلال ثلاث جلسات متتالية. ورغم أن المؤشر عاد لاحقاً للتراجع الطفيف إلى محيط 10460 نقطة، فإن دلالة الحركة كانت واضحة: السوق تلقّت القرار بإيجابية كبيرة.
الأرقام عكست اتساع موجة الصعود، إذ:
- ارتفعت أسعار 260 شركة مدرجة
- تراجعت ثلاث شركات فقط
- استقرت أسعار ثلاث شركات أخرى
هذا الاتساع يعكس قناعة عامة لدى المستثمرين بأن القرار لا يقتصر أثره على أسهم بعينها، بل يشمل السوق ككل.
لماذا يُعد القرار تاريخياً؟
يصف محللون وخبراء القرار بأنه الأهم منذ نحو عقد، لأنه ألغى عملياً قيوداً كانت تحصر الاستثمار الأجنبي في فئات محددة، مثل المستثمر الأجنبي المؤهل واتفاقيات المبادلة. الآن، أصبح بإمكان مختلف فئات المستثمرين الأجانب الدخول مباشرة إلى السوق الرئيسية، دون متطلبات تأهيل معقدة.
هذا التحول يعني:
- توسيع قاعدة المستثمرين بشكل غير مسبوق
- زيادة عمق السوق وسيولتها
- رفع مستوى التنافسية والحوكمة
ويرى مختصون أن الأثر النفسي للقرار بدأ فور الإعلان عنه، حتى قبل دخوله حيّز التنفيذ الكامل في فبراير المقبل.
القطاعات الأكثر استفادة
بحسب آراء عدد من المحللين، فإن قطاعات محددة مرشحة لقيادة المرحلة المقبلة، أبرزها:
- الرعاية الصحية
- الاتصالات وتقنية المعلومات
- البنوك
- الطاقة
- القطاع العقاري
هذه القطاعات تتميز بوضوح نماذج أعمالها، وارتفاع مستويات الإفصاح، وقدرتها على جذب المستثمر المؤسسي طويل الأجل، خاصة من الولايات المتحدة وأوروبا والصين.
كما يُتوقع أن ينعكس ارتفاع الطلب الخارجي على تحسين تقييمات الشركات الكبرى، لا سيما تلك ذات السيولة المرتفعة.
توقيت القرار… عامل دعم إضافي
جاء فتح السوق في وقت كانت فيه المؤشرات تمرّ بمرحلة تراجع نسبي، مع ضعف في مستويات السيولة. هذا التوقيت عزز من تأثير القرار، إذ اعتُبر محفزاً مباشراً لإعادة تنشيط التداولات، وجذب سيولة جديدة قد تساعد السوق على تعويض جزء من خسائرها الأخيرة.
ويرى محللون أن دخول فئات جديدة من المستثمرين الأجانب قد يغيّر سلوك التداول تدريجياً، عبر:
- تقليل حدة التذبذبات قصيرة الأجل
- زيادة التركيز على الأساسيات المالية
- دعم استقرار السوق على المدى المتوسط
ماذا تقول أرقام الملكية الأجنبية؟
بحسب البيانات الرسمية، بلغت ملكية المستثمرين الأجانب في السوق المالية السعودية بنهاية الربع الثالث من 2025 أكثر من 590 مليار ريال. كما سجلت الاستثمارات الدولية في السوق الرئيسية نحو 519 مليار ريال، مقارنة بنحو 498 مليار ريال بنهاية 2024.
هذه الأرقام تعكس مساراً تصاعدياً حتى قبل القرار الأخير، ما يعني أن فتح السوق بالكامل قد يسرّع هذا الاتجاه بشكل ملحوظ خلال 2026.
القرار المنتظر: رفع سقف الملكية
رغم أهمية فتح السوق لجميع فئات المستثمرين الأجانب، يترقب المتعاملون خطوة لا تقل أهمية، تتمثل في رفع سقف ملكية الأجانب في الشركات المدرجة، والذي يبلغ حالياً 49%.
وفق تقديرات مؤسسات مالية عالمية، فإن رفع السقف إلى 100% قد يجذب تدفقات أجنبية تصل إلى 10 مليارات دولار. مثل هذا القرار، في حال إقراره، قد:
- يعزز جاذبية السوق للمستثمر الاستراتيجي
- يرفع تقييمات بعض الشركات القيادية
- يدعم خطط الخصخصة والطروحات المستقبلية
أثر أوسع على الحوكمة والتسعير
إلى جانب السيولة، يُتوقع أن يسهم انفتاح السوق في:
- تحسين حوكمة الشركات
- رفع مستويات الشفافية والإفصاح
- تقريب أسعار الأصول من قيمها العادلة
كما أن وجود مستثمرين دوليين بخبرات متنوعة قد يضيف بعداً نوعياً للسوق، سواء من حيث الممارسات الاستثمارية أو أساليب التقييم.
هل نحن أمام مرحلة مختلفة؟
المؤشرات الأولية توحي بأن السوق قد تدخل مرحلة جديدة تتسم بعمق أكبر، وسيولة أعلى، وتوازن أفضل بين المستثمر المحلي والأجنبي. غير أن استدامة هذا المسار ستعتمد على عدة عوامل، أبرزها:
- سرعة تدفق الاستثمارات الأجنبية الفعلية
- استقرار الأوضاع الاقتصادية العالمية
- قرارات تنظيمية مكملة، وعلى رأسها رفع سقف الملكية
في النهاية
ما حدث في جلسة الصعود الأخيرة لم يكن مجرد حركة سعرية عابرة، بل انعكاس لتحول تنظيمي جوهري طال انتظاره. فتح السوق السعودية أمام جميع المستثمرين الأجانب قد يشكل نقطة انطلاق لمرحلة أكثر نضجاً وانفتاحاً، إذا ما ترافقت الخطوة مع قرارات مكملة تحافظ على الزخم وتحوّله إلى نمو مستدام في السيولة والقيمة السوقية.



